غانم قدوري الحمد

21

رسم المصحف

درهما « 1 » . ولم يقتصر انتشار الكتابة في شمال الجزيرة على أطراف العراق ، بل إن ذلك قد امتد إلى أطراف الشام ، فيروي البخاري أن ملك غسان أرسل إلى كعب بن مالك كتابا يدعوه فيه أن يلحق به بعد ما كان من قصة تخلفه عن غزوة تبوك ، وجفاء المسلمين له ولصاحبيه « 2 » ، كذلك كتب النبي صلى اللّه عليه وسلّم كتابا لأكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل « 3 » . وهذا فروة بن عمرو الجذامي وكان عاملا لقيصر على عمان من أرض البلقاء قد أسلم ، وكتب إلى النبي صلى اللّه عليه وسلّم فكتب إليه جواب كتابه « 4 » . كذلك وفد أهل أيلة وتيماء وجرباء وأذرح ، وهي قرى في شمال الجزيرة العربية ، إلى النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، فكتب لهم كتبا « 5 » . وقدم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم كتاب ملوك حمير مقدمه من تبوك ورسولهم إليه بإسلامهم ، فكتب إليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم جواب كتابهم « 6 » . وكل هذه المكاتبات - ولا شك أن معظمها وربما كلها كان يستخدم الكتابة العربية - تدل على مدى انتشارها زمن ظهور الإسلام ، حتى في جنوب الجزيرة معقل الخط العربي القديم ( المسند ) . وعلى أية حال فإن كل ما تقدم يشير إلى أن الكتابة العربية كانت معروفة بين عرب الجاهلية « 7 » - سواء في وسط الجزيرة أم في أطرافها - بدرجة تكفي لأن تنفي ما قيل من ندرة أو انعدام الكتابة بينهم ، ويشير من جانب آخر إلى أن الكتابة العربية بذلك الاستخدام الواسع ، لا بد أنها قد أخذت شكلا أقرب إلى الاطراد وتوحيد القواعد ، ومع كل ذلك فإنها كانت تنتظر الفرصة العظيمة التي أتاحها لها الإسلام لأن تعبر عن حضارة جديدة ، قادها القرآن الكريم الذي دوّن بها .

--> ( 1 ) أبو بكر بن أبي داود ( عبد اللّه بن سليمان السجستاني ) : كتاب المصاحف ، ط 1 ، القاهرة ، 1936 ، ص 133 . ( 2 ) البخاري ( محمد بن إسماعيل » : صحيح البخاري ، محمد صبيح ، القاهرة ، ج 6 ، ص 6 . ( 3 ) الواقدي ( محمد بن عمر ) : كتاب المغازي ، دار المعارف بمصر ، 1966 ، ج 3 ، ص 1028 . وابن سعد : ج 1 ، ص 889 . ( 4 ) ابن سعد : ج 1 ، ص 262 . ( 5 ) الواقدي : ج 3 ، ص 1031 . ( 6 ) ابن هشام : ج 2 ، ص 588 . ( 7 ) بلاشير ( ريجيس ) : تاريخ الأدب العربي ، دمشق ، الجامعة السورية ، 1956 ، ج 1 ، ص 74 .